حين ينفد الصبر السعودي
الليلة الماضية، لم تكن المملكة العربية السعودية أمام اعتداء عابر، بل أمام محاولة جديدة لاختبار أمنها واستقرارها. وكالعادة، اختار الحوثيون أن يوجهوا صواريخهم وطائراتهم المسيّرة نحو الأراضي السعودية، في سلوك يؤكد أن هذه الجماعة لم تستوعب بعد حقيقة واحدة: أن أمن المملكة ليس ساحة للمغامرات، وأن للصبر السعودي حدودًا.
طوال السنوات الماضية، تعاملت المملكة مع الاعتداءات الحوثية بقدر كبير من ضبط النفس والمسؤولية. لم تكن الرياض تبحث عن حرب، ولم يكن هدفها إشعال المنطقة أو توسيع دائرة الصراع. لكن ضبط النفس لا يعني العجز، والحرص على السلام لا يعني القبول بأن تصبح الأراضي السعودية هدفًا مفتوحًا.
وهنا تحديدًا تكمن الرسالة التي يجب أن يفهمها الحوثيون جيدًا.
المملكة تستطيع أن تصبر، لكنها تستطيع أيضًا أن تضع حدًا للصبر عندما يصبح أمنها ومواطنيها ومقدراتها في خطر.
إن تكرار الاعتداءات لن يغيّر قواعد اللعبة لصالح الحوثيين، بل قد يقودهم إلى نتيجة عكسية تمامًا. فكل هجوم جديد لا يثبت قوة الجماعة بقدر ما يكشف إصرارها على السير في طريق التصعيد، ويضعها أمام مسؤولية ما قد يترتب على هذا التصعيد من تبعات.
المملكة اليوم ليست السعودية التي عرفها الحوثيون قبل سنوات. إنها دولة تمتلك قدرات عسكرية ودفاعية متقدمة، واقتصادًا قويًا، ومكانة إقليمية ودولية تجعل المساس بأمنها أمرًا لا يمكن التعامل معه باستخفاف.
والأهم من ذلك أن القرار السعودي لا يصدر تحت ضغط الصواريخ ولا تحت تهديد الطائرات المسيّرة.
الرياض هي التي تختار متى ترد، وكيف ترد، وأين يكون الرد.
وهذه نقطة يجب ألا يغفل عنها الحوثيون.
فالاعتداءات على المدن والمنشآت الحيوية لا يمكن أن تصبح أمرًا طبيعيًا، ولا يمكن أن تتحول إلى وسيلة لفرض معادلات جديدة على المملكة. ومن يعتقد أن بإمكانه إطلاق الصواريخ باتجاه السعودية ثم انتظار أن تمر الأمور بلا حساب، فهو يقرأ المشهد السعودي قراءة خاطئة.
لقد منحت المملكة فرصًا للحلول السياسية، ودعمت جهود التهدئة، وتعاملت مع الملف اليمني انطلاقًا من مسؤوليتها تجاه أمن المنطقة وشعوبها. لكن السلام لا يمكن أن يكون طريقًا باتجاه واحد، ولا يمكن أن يستمر بينما يصر طرف على استخدام السلاح لتهديد جيرانه.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة قد تحمل رسالة مختلفة.
رسالة عنوانها أن الاعتداء على المملكة لن يكون بلا ثمن، وأن استمرار استهداف أراضيها سيواجه بما يلزم لحماية أمنها وردع مصادر التهديد.
المملكة لا تحتاج إلى استعراض قوتها؛ قوتها معروفة. ولا تحتاج إلى رفع سقف التصريحات؛ أفعالها هي التي تتحدث عنها.
وإذا كان الحوثيون يراهنون على أن المملكة ستبقى إلى الأبد في موقع الدفاع وانتظار الهجمات، فعليهم أن يعيدوا حساباتهم.
فالدولة التي اختارت السلام عندما كان السلام ممكنًا، تعرف جيدًا كيف تستخدم قوتها عندما يصبح الردع ضرورة.
وقد يكون ما حدث الليلة الماضية هو اللحظة التي يفهم فيها الحوثيون أن للصبر السعودي نهاية، وأن المملكة عندما تقرر وضع حد للاعتداءات، فإنها لا تتحدث كثيرًا… بل تتحرك.



