رجل لا تملك إلا أن تحبه

ج
بقلم – محمد كريم بخش
الشيخ إبراهيم مدني مؤذن الحرم المكي الشريف ، الرجل الخلوق المحترم والاجتماعي المتواضع ، ذو الصوت الشجي ، والمحيا البهي ، يسعد جليسه بمحادثته ، ومن لاقاه بابتسامته ، منشرح الصدر ، مطرح التكلف ، يلاطف صغار ، ويعرف حق الكبار ، اجتمعت فيه معاني جميلة وصفات أصيلة وأخلاق حسنة ، حقا إنه رجل لا تملك إلا أن تحبه .. كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم : أن الله إذا أحب عبدا وضع له القبول في الأرض ..
الشيخ ابراهيم من أبناء المدينة المنورة ، نشأ وترعرع على ثراها الطاهر ، وأمضى بها ثلاثة وأربعين سنة من عمره ، فأكرمه الله بعد جوار نبيه الكريم ، بجوار بيته العظيم ، حيث صدر قرار تعيينه مؤذنا للمسجد الحرام بمكة المكرمة في آخر شهر شعبان من عام ١٤٣٩ ، فانتقل من مدينة رسول الله ﷺ إلى حرم الله يدعوا بندي صوته حي على الصلاة حي على الفلاح ، وبقي يصدح بالأذان وبتوحيد الرحمن أكثر من ثمان سنوات ، ظل فيها محمود السيرة ، كريم العشرة ، محبوبا من الناس ، يأسرك بدماته خلقه وحسن إقباله ، وطيب كلامه مع التواضع الجم الذي حباه الله تعالى به ، فلا تملك إلا أن تحبه ..
كنت أسمع عن الشيخ خيرا كثيرا وأعرفه عن بعد ، غير أني خبرته وعرفته عن قرب وبدأت علاقتي الشخصية معه في شهر رمضان المنصرم ١٤٤٧ حين سعدت وتشرفت بدعوة أحبة وأفاضل إلى إفطار جماعي بخاصرة عين زبيدة وكان ابني عبد العزيز على علاقة وطيدة مع الشيخ ، وتواد ومحبة واحترام ، وكان الشيخ يعامله كإبنه أو أخيه الأصغر ، ويكرمه بتواصله وتعاهده ، ويمحضه النصح والتوجية ، فأرسلت إليه دعوة للمشاركة والحضور والتشريف مع أنه استقر في نفسي اعتذار الشيخ لانشغاله والتزاماته خاصة في شهر رمضان المبارك ، ولكني فوجئت بتلبيته للدعوة في الحضور والمشاركة حيث كان أول الحاضرين بابتسامته المعهودة وبهجته التي تأسر القلوب فلا تملك إلا أن تحبه ..
وأذكر حينها عند دخول وقت أذاني المغرب وقد تكامل الحضور والضيوف ، قام مبادرا مباركا جمعنا وشنف أسماعنا برفع أذان المغرب ، وحين أقيمت الصلاة قدم غيره للإمامة تواضعا منه وكرما ..
وقد وعدني وهو يغادر بعد الإفطار بزيارة خاصة للمنزل والتي كانت وشيكة بحسب ترتيب الشيخ مع الابن ولكن المنية سبقت ..
كان الشيخ رحمه الله تعالى في تعامله مع الناس يتصف بصفات حسنة من أهمها أخلاقه الكريمة وتعامله الراقي ، دائم البشر مبتسما للناس ، وقد كان اجتماعيا يألف الناس ويألفوه ويجيب الدعوات ويتعاهد الآخرين بالتواصل والزيارات ، كما كان له مشاركات مجتمعية ، ومساهمات خيرية ، وعناية خاصة بتحفيظ القرآن الكريم وإقرائه ..
وأما في تعامله مع الله عز وجل وفي علاقته بربه جل وعلا كان الشيخ يتمتع بحسن الظن في الله ، فأناله الله فوق مناه واختاره لجيرة بيته ، والأذان في حرمه ، فقابل ذلك بالشكر والاعتراف بآلاء الله ونعمه واستشعار عظيم منته فكان رحمة الله عليه يعبر عن ذلك فيقول :
“أنا مين عشان يترفع صوتي في الحرم .. هذا اختيار من الله تعالى” ..
ثم كان رجاء الشيخ ودعاؤه المستمر أن يديم الله عليه نعمة الجوار لبيته الحرام مع الأذان حتى آخر يوم من عمره ، وكان يطلب الدعاء لنفسه بذلك من كل من يتوسم فيه صلاحا وتقى ، وقد أجابه الله إلى ذلك وأكرمه ونعمه ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ..
رجل بهذا المعنى ، وهذا الفهم ، وهذا الإخبات لله تعالى ؛ لا تملك إلا أن تحبه ..
في سحر يوم الإثنين
١١ / رببع الأول / ١٤٤٨
أذن الشيخ إبراهيم بالحرم المكي الشريف ما يعرف بالأذان الأول ، وكان هذا الأذان هو آخر آذان يرفعه الشيخ رحمة الله تعالى عليه ..
وفي سحر ١٠/ ربيع الآخر / ١٤٤٨
ارتقت روح الشيخ لباريها مغادرة هذه الحياة مقبلة على حياة أوسع وأكمل وجوار أجمل وأفضل بإذن الله تعالى ، وكأن للشيخ مع الأسحار أسرار ..
ذاع خبر وفاة الشيخ بمكة المكرمة ، والتي استيقظت صباحا على نبأ وفاته المؤلم وانتشر الخبر بمنصات التواصل الاجتماعي ، وتناقل الناس الخبر في جميع الأرجاء متألمين محزونين ، فقد عرفه أهل المكتين -وغيرهما- بسمو الخلق محبا لله ولرسوله ولخلقه ، داعيا إلى الله تعالى ببشاشته وطيبته فيمتلك قلب غيره ، فلا يملك إلا أن يحبه ..
رحمك الله أبا أحمد ، غادرت دنيانا ، فذرفت أعيننا على فراقك ، وآلمنا فقدك ..
فخلو ملامي إن ألح بي البكا
فإن فراق الصالحين عسير
نحتسبك عند الله ، ونستودعك الله ، ونلتقي بك في جنات الخلد إخوانا على سرر متقابلين بأمر الله وفضل الله وكرم الله ..
وإنا لله وإنا إليه راجعون ..



