المقالات

مُنَغِصّات الفيسبوك

د. محمد إبراهيم الشقيرات _ الأردن

حين نتصفح “الفيسبوك” ، نواجهُ سيلاً من جلدِ الذات والآخرين ، وسُخْرِيّاتٍ من الكلام تُبطِنُ خلاف ما تُظهِر، ونقداً جارحاً يغوص ُفي أعماق النفس لا يمتُّ إلى النقد البنّاء بصلة ، فضلاً عن التكالب الأعمى على نشر قضايا مجتمعية دون تحرّي دقة مصادرها، والاكتفاء بالاجتهادات والتوقعات والظنون، كما نجد الكثير ممن يداعب خوالجهم حُب الشهرة والظهور، متناسين أنه وإن كان ذلك مطمعٌ للكثيرين فهو داءٌ قلبيٌ خطير ، ينبع من حب الذات فلا يُورث إلا الفساد ، ويربك العباد ، ويفكك أواصر المحبة مع الآخرين ويؤدي في نهاية المطاف الى الهلاك، فالتصنّع طلباً للثناء والجاه ، ورفع المكانة في قلوب الناس يُفسد الأعمال الصالحة ويُورث فقدان الثقة والشعور بالنقص المستمر ، كما أننا نجد الكثير من َالتحْلِيلات “غير الدقيقة ” للكثير من المواضيع السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية ، لخلوّهِا من الاعتماد على المنهجية العلمية وأمانتها ، وانحيازها الشخصي في التحليل ، واعتمادها على مصادر غير موثوقة ، مما ينعكس بشكل خطير على فهم وادراك الواقع الحقيقي من حولنا ، او التمييز ما بين الغث والسمين ، وكل ذلك يتسبب في إرباك الفرد ، والمجتمع ، وتهديد الأمن الوطني الذي لطالما كان الركيزة الاساسية والعمود الفقري لاستقرار المجتمع ككل ، لأنه يمثّل الضمان الحقيقي الفعلي لسيادة القانون ، وتوفير البيئة الآمنة لمختلف النواحي الحياتية وتعزيز مفهوم الانتماء الحقيقي للوطن الذي يتجاوز معنى “الارض” ليشمل الروابط الأُسرية والوجدانية والثقافية والتاريخية والمصيرية المشتركة.

إن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالتأكد من صحة الأخبار قبل تناقلها لمنع وقوع الظلم، قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ” (الحجرات: 6).
كما نهانا الله سبحانه وتعالى عن الاستماع إلى الأكاذيب، أو ترويجها بين الناس، قال تعالى: “إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ” (النور: 15), وبيّن الله تعالى عقابَ المتصنعيين والريائيينَ وطالبي الشهرة، قال تعالى: “لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَا عَذَابٌ أَلِيمٌ” (آل عمران: 188)
فإذا كان لا بُدّ للمرء أن يخوضَ في غِمارِ حديثٍ ما أو دردشةٍ ما عَبر الفيسبوك فليتّبع ما قاله رسولنا الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم : “مَن كانَ يُؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فليَقُل خيراً أو ليَصمُت”.
ختاماً لا بُدّ من القول: أنه بالرغم من أن للفيسبوك سلبياته الكثيرة التي يجب أن ندركها ونعيها ، ونجد الحلول الناجعة لتلافيها – او على الاقل –الحد منها إذ أنه أصبح مصدراً للإكتئاب والقلق، والتنمّر الإلكتروني، والكدِر الإلكتروني -إذا جاز التعبير- لما يجلبهُ من همومٍ ومتاعِب، وسبباً هاماً من أسبابِ التفكّك الأسَري والاجتماعي ، وإثارة الفتن ، وسلبياته المتعلقة بالأمن الوطني الشامل ، وهدِر الوقتِ بلا فائدة ، إضافةً إلى آثاره ِالسلبية على صحةِ الإنسان النفسيةِ والجسدية . فأن له ايجابيات عديدة لا يمكن إنكارها إذ تتعلق ببناء المجتمعات، والتواصل الاجتماعي الفعّال بينها، واعتباره مصدراً مهماً للتعليم والتعلّم، والاستفادة من الكم الهائل من المعلومات غير المضللة، والاطلاع على مستجدات عالمنا الرقمي الذي نعيش، إضافة إلى مساهمته الفاعلة في تسريع وتيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية .
د. محمد ابراهيم الشقيرات
الاردن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم Adblocke

https://rmse.sa/wp-content/uploads/2025/02/Download-Adblock.webp