المقالات

صحن «المميزين».. والرقص على حبال الطبقية!

✍🏻 أ. أبوطالب محمد دغريري

لطالما كانت المائدة في أفراحنا وأتراحنا شامخة، لا تُقاس بالكيلوغرامات ولا بنوع الخراف، بل بذاك البشَر الذي يفيض من وجه المضيف عند عتبة الباب. في ثقافة هذه الأرض، لم تكن العزيمة يوماً مجرد محطة لملء البطون، بل طقساً اجتماعياً يلمّ الشمل، ويكسر الجليد، ويُشيع الدفء بين القريب والغريب. غير أن الحياة -كما نعلم جميعاً- لا تسلم من الدخلاء، وقد تسللت إلى أفراحنا في الآونة الأخيرة عادةٌ لا هي من شيم الكرام، ولا هي من ذوق أهل البلد، عادةٌ أقل ما يُقال عنها إنها تُفرغ الكرم من مروءته، وتتركه مجرد استعراض أعرج؛ وأقصد هنا تلك البدعة التي تُمارَس بجراءة غريبة: التمييز في صحون ولائم الزواج، وإعداد موائد “سوبر ديلوكس” لأناس، وموائد “درجة سياحية” لآخرين!

​تأمل معي هذا المشهد السريالي الذي يتكرر في بعض صالات الأفراح: يقف صاحب العرس عند الباب، يبتسم في وجهك ابتسامة عريضة، يرحب بك بأحر عبارات الترحيب، فتشعر بأنك ملك جئت لتتوج في ليلته. ولكن، وما أدراك ما “لكن”، ما إن تطأ قدمك الصالة وتُمد الموائد، حتى تكتشف أنك مجرد رقم في القاعة! فهناك على الطاولة المجاورة، أو في صدر المجلس، كُشِط الغطاء عن صحون شُكّلت بطريقة مختلفة، وزُيّنت بذوق رفيع، وخُصصت لأسماء بعينها بناءً على الوجاهة أو المنصب أو المحاباة، بينما جُمع بقية الناس على صحون عادية وكأنهم ضيوف معزولون عن الفرح.

​هنا بالتحديد تسقط الورقة الأخيرة من شجرة الكرم. الكرم يا سادة ليس أن تنفق ألفاً على فلان وعشرة ريالات على علان، الكرم أصله المساواة. المساواة في الترحيب، والمساواة في بشاشة الوجه، والمساواة في الصحن. الضيف الذي قطع أزقة المدينة وجاء يشاركك فرحة عمرك، لم يأتِ جائعاً يطلب طعاماً، ولا متسولاً يبحث عن فضلة، بل جاء مُلبياً نداء المحبة، فحين تقسم الناس أمام طعامهم إلى درجات، فأنت لا تكرم أحداً، بل تمارس “طبقية” ناعمة تُوغر الصدور وتُفسد نكهة الليلة.

​لو فتشنا في العُرف الأصيل، لن نجد لهذه العادة أساساً يُذكر. كان أجدادنا يفخرون بأن جفنتهم واحدة، يلتف حولها شيخ القبيلة والغريب والفقير، يطعمون جميعاً من نفس الصحن ونفس القسَمة، لأنهم يدركون بذكائهم الفطري أن التفريق على المائدة إهانة للمضيف قبل أن يكون انتقاصاً من الضيف. وحتى الشريعة نفسها، جاءت بتحذير شديد اللحن من هذه النفسية، فحين وُصفت وليمة العرس بـ “شر الطعام” إن هي ميزت ودعت الأغنياء وتركت الفقراء، كان المغزى واضحاً كالشمس: لا تجعلوا مناسبات الفرح مسرحاً للمباهاة ولعبة التفاضل بين البشر.

​المرير في الأمر أن البعض يظن هذه التمييزات “إيتيكيت” أو ذكاءً اجتماعياً، بينما هي في الحقيقة افتقار شديد لللياقة الاجتماعية والنفسية. الإنسان بطبعه حساس، وشعور المدعو بأنه في “المستوى ب” لمجرد أنه ليس صاحب نفوذ، يترك في النفس غصة تسلب المناسبة روحها التآلفية. نحن اليوم نعيش مرحلة واعية، قشرنا فيها الكثير من مظاهر الهياط والتكلف الفارغ، وحري بنا أن نلقي بهذه العادة الدخيلة في أقرب سلة مهملات اجتماعية. إن صحناً واحداً بسيطاً، يُقدم للجميع بنفس راضية ووجه صبيح دون مفاضلة، لهو أعمق أثراً وأجمل ذكراً من ألف مائدة مُلئت بالتفاضل الذي يقطع أرحام المحبة ويصنع الفجوات بين الناس.

لِنَعُد إلى الكرم النقي.. الكرم الذي يرى في كل من وطئت قدمه بيتك ضيفاً عزيزاً لا يقل قدره عن أي شخص آخر!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم Adblocke

https://rmse.sa/wp-content/uploads/2025/02/Download-Adblock.webp