طاحونة الأيام.. هل نسينا كيف نعيش؟

أبوطالب محمد دغريري
تستيقظ في الصباح على صوت المنبه المزعج، تهرع إلى عملك وسط زحام الشوارع، تقضي نهارك بين أوراق ومتطلبات لا تنتهي، ثم تعود في المساء مهدود الحيل لتقذف بجسدك على الأريكة، تلتهم غداءك أو عشاءك، وتقلّب شاشة هاتفك لترعى حقول “القيل والقال”، حتى يغالبك النوم.. ثم تعيد الكرّة في الغد.
هكذا، وبكل بساطة، تحولت حياتنا إلى نسخة مكررة من فيلم رديء، وأصبح العمر يتسرب من بين أيدينا كطحينٍ رُمِيَ في يومٍ عاصف!
نعزي أنفسنا دائماً بأننا “مشغولون”، وننسى أن هذا المشغول ليس سوى كائن يركض في حلبة دائرية، يبذل طاقة هائلة دون أن يتحرك شبر واحد إلى الأمام. نركض خلف الرزق — وهو حق — لكننا ننسى الغاية من وجودنا. ننسى أن الحياة ليست مجرد مطاردة لا تنتهي للفواتير وساعات الدوام، بل هي “عمر” يُحسب بالساعات والدقائق، وسُؤالٌ ينتظرنا يوم نلقى الله: عن عمره فيما أفناه؟
المشكلة ليست في العمل والكدح، بل في “الغفلة”. تلك الغفلة التي تجعلنا نستهلك أوقاتنا الغالية في مجالس لا تسمن ولا تغني من جوع، وفي خوضٍ لا طائل منه، وفي متابعة تفاصيل لا تعنينا. نملك وقتاً لطويل الحديث، وندّعي الضيق إذا حان وقت الورد القرآني! نملك ساعات للشاشات، ونبخل بالدقائق لركعتي الضحى أو دعاءٍ في السحر!
يا صديقي.. لم يطلب منك أحد أن تعتزل الناس وتسكن صومعة، لكن الحياة تُعاش بالذكاء والاحتساب. حتى حركة قدمك إلى عملك يمكنك أن تجعلها تسبيحاً، ولقمة العيش التي تسعى لها تجعلها صدقة، والكلمة الطيبة التي تبثها في وجه زملائك ترفعك درجات.
المسألة كلها تبدأ من “إعادة ضبط المصنع” لأولوياتنا. أن نسأل أنفسنا بشجاعة قبل أن يباغتنا الشيب: ماذا أعددنا للمحطة الأخيرة؟ وهل شَهِدت لنا أوقاتنا أم شَهِدت علينا؟
استفق من طاحونة الروتين، وخُذ من يومك حظاً لآخرتك، فالعمر ألمعُ من أن نُطفئه في “قيل وقال”.



