شغف المتابعة… وحسرة التواصل!

بقلم : أبوطالب دغريري
نستيقظ في الصباح، ولا ننظر من النافذة لنعرف حالة الطقس، بل ننظر إلى الشاشة الصغيرة لنعرف حالة العالم! لقد تحولنا جميعاً إلى ركاب في حافلة رقمية واحدة؛ الجميع فيها ينظر في هاتفه، ولا أحد يلتفت إلى الجار الجالس بجانبه.
إنها مفارقة هذا العصر العجيب؛ تقرّب البعيد القابع في قارة أخرى، وتُغرق القريب الجالس معك على نفس الأريكة في جبال من الصمت. وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات للحديث والتسلية، بل أصبحت هندسة اجتماعية كاملة تُعيد صياغة عقولنا، وتحدد ماذا نحب وماذا نكره، ومتى نفرح ومتى نغضب.
ولعل أخطر ما في هذه الشاشات ليس وقتنا الذي يضيع في التصفح بلا هدف، بل ذاك الهوس المستمر بـ “الظهور”. أصبحنا نعيش لنُصوّر، لا لنشعر. نأكل الوجبة لأن ألوانها تجلب المتابعين، ونزور المكان لنتقط صورة، ونسينا كيف نتذوق اللحظة بعيوننا وقلوبنا بعيداً عن أعين الآخرين. لقد تحولت الحياة السريعة إلى سباق محموم لنيل استحسان غرباء لا يعرفون منا إلا صورة معدلة ومقيمة بـ “إعجاب”!
والغريب أننا كلما زاد عدد أصدقائنا في العالم الافتراضي، قلّ أصدقاؤنا الذين يستطيعون سماع نبرة حزننا في الحقيقة. نتبادل آلاف الرسائل والرموز التعبيرية يومياً، لكننا نسينا دفء المصافحة، وصدق الابتسامة، ولذة الحديث الذي لا يحتاج إلى زر “تعديل”.
لسنا ضد التكنولوجيا، ولا ندعو إلى اعتزال العصر والعيش في الصوامع؛ فالعاقل من يستفيد من فتح النوافذ دون أن تقتلع الرياح بيته. المسألة تحتاج منا إلى شيء من الرصانة والوعي؛ أن نملك هذه الأجهزة ولا ندعها تملكنا، وأن نتذكر دائماً أن أجمل لحظات العمر هي تلك التي نعيشها بكامل حواسنا.. بعيداً عن تغطية شبكة الاتصال!


