المقالات

سُرَّاق الفرح واليمن السعيد ليلة زفاف تكشف أصل الحكاية


أبوطالب دغريري

تلقيت من جاري اليمني العزيز بطاقة دعوة لعفاف نجله، ولم تكن الدعوة مجرد ورقة تُخطرُك بموعد ومكان، بل كانت بوابتي لعبور “اليمن السعيد” بكل ما تحمل الكلمة من حميمية وعراقة. ذهبتُ لتهنئته، فإذا بي أجد نفسي غارقاً في طوفان من الفرح الاستثنائي الذي لا يُشبهه فرح؛ فرصة لاستكشاف شعبٍ يعشق الحياة وينحت البهجة من صخور الصعاب.
​هناك، يتألق اليمني في صناعة البهجة.
لم تكن الصالة مجرد مقر احتفال، بل كانت مِحـراباً حياً يُستحضر فيه تاريخ عريق؛ انسكب صوت المغني يتنقل ببراعة بين ألوان الغناء اليماني، فأنشد درر التراث وأطرب الحضور بأغنية «يلي تبون الحسيني»؛ تلك الأغنية التراثية العريقة بجمال كلماتها وألحانها الخالدة، فتتوهّج القاعة حنيناً وكأن الوادي الخصيب يتفتح ندىً وريحاناً وسط جبال اليمن.
​تراه يتنقل بين «الشرح» الحضرمي وهو يتهادى بإيقاع عذب وسلس، ويتجلى «البرع» الهمداني بصخب كبريائه الهادئ، فتتحول الخطوة إلى نبض متناغم، والجنبية المزركشة إلى قيثارة يدق بها العريس وأقرانه على أوتار الخلود. ولم تكتمل حكاية الليلة إلا حين أُعلنت زفة العريس، فامتدّ سحر الزفة الشامية ليتعانق مع الأصالة اليمنية؛ حيث أضفت بأناقة طقوسها ودفء أهازيجها أفقاً آخر من الجمال، ليلتقي تراث الشام العريض مع شجن اليمن في لوحة عربية باهية.
​ولم تقف حدود الفرح عند ذلك الفضاء؛ بل تجلّت ذروة التلاحم حين صدح المغني فجأة بأغنية «على غيمة جنوبية»! هنا تحديداً، «ضرب الفيوز» في القاعة؛ إذ هبّ الحضور كأنما حركتهم شفرة جينية واحدة، ليصطفوا يداً بيد وأكتافاً بأكتاف مؤدين «الخطوة الجنوبية» السعودية. أما صاحبكم، فقد هزتني الأغنية من الأعماق وخرقت كل مقاوماتي الرزينة؛ فإيقاع الخطوة ينبض بنفس الروح والوقار الذي تحمله رقصة «المعشى» الجيزانية العريقة، فتسللت تلك النغمة إلى جيناتي الجازانية القديمة ودغدغت حنيني! وجدتُ قدمي تنفصلان عن إرادتي وتبدآن بالدقّ والارتجاف على إيقاع الخطوة والمعشى وأنا جالسٌ في مكاني! ولولا بقيةٌ من حياءٍ تمسك بي، وخشية أن أتحول إلى «ترند» عاجل في مجموعات «الواتساب» التابعة للحي، لقمتُ أشاركهم الدبك والخطوة في منتصف الصالة.
​هكذا التقت ثقافة الجبال بالجنوب، وتعانق إيقاع المرواس بنغمة الخطوة الجنوبية، ليتشكل مشهد يعكس عمق أواصر المحبة والدم والأخوة الراسخة بين الشعبين السعودي واليمني، تلك العرى التي لا تزيدها الأيام إلا ثباتاً وتماسكاً.
​يمتلك اليمني فراسة عجيبة في اصطياد المسرة؛ فهو يغني وهو متعب، ويرقص وهو مثقل، ويصنع من أبسط الجمعات كنعاناً من الود والألفة. هم قوم إذا أقبلت عليهم البهجة، فتحوا لها قلوبهم قبل أبوابهم، وعاشوها بكبرياء وترفع عن أوجاع الحياة.
​لكن، وفي زاوية غائمة من المشهد، لا يملك العقل إلا أن يتساءل بأسى: كيف لهذا الشعب العظيم التائق للحياة، أن يُبتلى ببلطجية الشوارع وسُرَّاق الفرح من عصابات الحوثي؟ إن السواد الأعظم والجلّ المطلق من هذا الشعب العربي الأصيل بريء كل البراءة من خرافات تلك الجماعة المارقة، ومبرأ من سلوكيات شرذمة تتغذى على الموت والصراخ واللطم وتحاول كتم صوت «المرواس» وطمس طقوس «البرع». إن ما تفعل هذه العصابة ليس إلا محاولة بائسة لقتل روح الفرح، وإحلال ثقافة القبور وشعارات الموت محل الدان والزامل والابتسامة.
​غير أن من شاهد رقصة «البرع» وزفة الفرح وشغف «الخطوة» في ليلة زفاف حية، يوقن تماماً أن قطّاع الطرق وبلطجية الشوارع هؤلاء مجرد طارئين على التاريخ وعارض هامشي سيزول. ستموت خرافة الحوثي ومشروعه الظلامي، وتتلاشى صرخات الموت أمام أهازيج الحياة، وسيبقى اليمن وشعبه الأبيّ كما كان دائماً: ولاداً للفرح، متماسكاً مع أشقائه، وعاشقاً للحياة، وسعيداً رغماً عن أنف الحزن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم Adblocke

https://rmse.sa/wp-content/uploads/2025/02/Download-Adblock.webp