بين صهيل الحراك وسكون الفراغ

بقلم: أبو طالب محمد دغريري
ثمة بونٌ شاسع بين صخب الحياة المنتجة وبين «الضجيج»؛ فالأولى حركةٌ تتنفس، وعمرانٌ يشيّد، وتدافعٌ محمود يستحث الخطى نحو الغايات، بينما الثاني ليس إلا الوجه المزعج الذي يراه الغارقون في السكون. ولعل أغرب صور المفارقات الإنسانية، أن ينبري المتفرج الرابض في ظلال العجز، ليرمي كل حركة حوله بتهمة «الضجيج»!
إنها حيلة النفس حين تستثقل السعي؛ تفضل أن تسمي صهيل الخيل الفاتحة ضوضاءً كي تبرر قعودها، وتصمّ آذانها عن دبيب الحياة كي لا تشعر بمرارة الفوات. من لا يتحرك يرى في كل جلبةٍ إهانةً لصمته، وفي كل طرقة مسمار نشازاً يقلق مضجعه، وما علم أن المشكلة ليست في المطرقة، بل في أذنه التي اعتادت خدر الجمود.
يحكي لنا التاريخ، بلسان الحال قبل المقال، أن الكبار لم يلتفتوا يوماً لشكاوى القواعد؛ فالعربة التي تمضي قدماً تثير شيئاً من الغبار وتحدث صوتاً، لكنها تصل. أما الذي اختار التفرج على قارعة الطريق، فلن يسلم من غبار الراحلين ولا من حداء المسافرين، فليس أمامه إلا أن يشكو الضجيج، وهو في حقيقته لا يشكو إلا صمته الخالي!
إن في العربية لطافةً أثيلة تهبنا البصيرة؛ إذ تفرق بين «القعقعة» الجوفاء وبين «الهدير» المحمل بالخير، بين جعجعةٍ لا ترى طحناً، وبين حركةٍ تهز جذع الحياة ليتساقط رطباً جنياً. والحقيقة التي يجب أن نستوعبها بلا مواربة: أن الحياة لم تُخلق لتكون قاعة مطالعين صامتة، بل مضمار كفاح وتدافع.
فيا أيها الراكن إلى هدوء العجز: الحركة ليست ضجيجاً، إنما هي نبض الحياة، وإن كان صوت السعي يزعج صمتك المزيف، فما عليك إلا أن تنهض وتركض معهم.. وحينها فقط، ستفهم السيمفونية.



