المقالات

السيف النجدي يُنجد النيل كلمة شكر ووفاء للمملكة العربية السعودية قيادةً وشعبا

بقلم د. أسامه سيد أحمد حسين
أكاديمي وباحث في العلوم والتكنولوجيا

وحينَ تَشتَدُّ الخُطُوبُ، وتَضيقُ الأرضُ بما رَحُبَت، وتَتلاطَمُ أمواجُ الفِتَنِ على ضِفافِ النِّيلِ، وتَتكاثَفُ غَياهِبُ الظُّلمَةِ على مَشاهِدِ الخَرابِ التي خلَّفَتْها رِياحُ الحَربِ العاتِيَةُ، يَكونُ المَوضِعُ الأَشْرَفُ والأوْفَى هُوَ مَوضِعُ الفُرسانِ. وهُنا، على مَضَاءِ التاريخِ، تَبرُزُ المملكةُ العربيَّةُ السعوديَّةُ كَشَمسٍ لا تَغيبُ، وكَنَخْلَةٍ لا تَميلُ، وكَسَيفٍ نَجْدِيٍّ يُنْجِدُ النِّيلَ في مِحْنَتهِ، ويَمُدُّ يَدَ العَونِ إلى السودانِ في سَاعاتِه العُسْرَى.
يَطيبُ لنا، وَوَجْدَانُنَا تَفيضُ بالامتِنانِ، وقَلوبُنا تَختَزِنُ العِرفانَ، أنْ نَرفَعَ أسمى آياتِ الشُّكرِ والتَّقديرِ إلى المَملَكةِ العربيَّةِ السعوديَّةِ – مَليكاً وأميراً وحُكُومَةً وشَعْباً – على مَواقِفِها النَّبِيلَةِ التي تَجاوَزَتْ كُلَّ حُدودِ الإخاءِ، وتَرَفَّعَتْ عَنْ كُلِّ حِساباتِ المَصَالِحِ الضَّيِّقَةِ. إنَّها مَواقِفُ أَخٍ لِأَخِيهِ، لا تَنتَظِرُ مُكافَأةً ولا تَبْتَغِي ثَنَاءً، ولكنَّها تَأبَى قُلوبُنا المُعَذَّبَةُ إلا أنْ تَكْتُبَ في سِجِلِّ الامتِنانِ ما يَلِيقُ بِجَلالِها، وما يُعَبِّرُ عن عُمْقِ الامتِنانِ الذي يَسْكُنُ وُجْدانَ كُلِّ سُودانِيٍّ شَرِيفٍ.
مُنْذُ القَدِيمِ، وكانتِ المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ حَاضِرَةً في مَشْهَدِ السُّودانِ بِقُوَّةِ الفِعْلِ لا بِقُوَّةِ القَوْلِ. كَانَتِ المَاءُ والطَّعَامُ والدَّوَاءُ تَصِلُ في أَسْرَعِ الأَوْقَاتِ عِنْدَ كُلِّ نَازِلَةٍ. كَانَتْ يَدُ المَمْلَكَةِ مَمْدُودَةً لِبِناءِ المَدَارِسِ والمُسْتَشْفَيَاتِ، وإقامَةِ المَشَارِيعِ التَّنْمَوِيَّةِ التي غَيَّرَتْ وُجُوهَ المُدُنِ والقُرَى، وأَسْهَمَتْ في رَفْعَةِ الإِنْسَانِ السُّودَانِيِّ في مَجَالَاتِ التَّعْلِيمِ والصِّحَّةِ والزِّرَاعَةِ. قَدِيماً وَحَدِيثاً، ظَلَّتِ المَمْلَكَةُ نِعْمَ الجَارِ، ونِعْمَ الأَخُ، ونِعْمَ الصَّدِيقُ الذي لا تَنْضُبُ مَعِينُ عَطَائِهِ، ولا تَتَزَعْزَعُ عَزِيمَتُهُ عِنْدَ المَشَاقِّ.
واليومَ، والسُّودانُ يَمُرُّ بِأَحْدَثِ مِحَنِهِ، وَيَتَمَزَّقُ في نَارِ فِتْنَةٍ عَمْيَاءَ أَضَاعَتِ الأَرْوَاحَ وَشَتَّتَتِ الأَجْسَادَ، وَهَجَّرَتِ المَلَايِينَ عَنْ دِيَارِهِمْ، وَأَطْفَأَتْ أَنْوَارَ المُدُنِ، وأَخْمَدَتْ أَصْوَاتَ الحَيَاةِ، كَانَتِ المَمْلَكَةُ العربيَّةُ السُّعُودِيَّةُ – قِيَادَةً وَحُكُومَةً وَشَعْباً – في طَلِيعَةِ الصَّفِّ، لا تَتَرَدَّدُ ولا تَتَأَخَّرُ. لَقَدْ جَاءَ دَعْمُها مُتَرَافِعاً معَ احْتِيَاجَاتِ السَّاعَةِ، مُتَنَاغِماً معَ أَوْجَاعِ اللَّحْظَةِ، لِيُعْلِنَ بِوُضُوحٍ أنَّ السُّودانَ لَيْسَ وَحِيداً، وأنَّ النِّيلَ لَيْسَ مُنْعَزِلاً، وأنَّ المَمْلَكَةَ لَنْ تَتْرُكَ أَخَاهَا السُّودَانَ يَغْرَقُ وَحْدَهُ في لُجَجِ المِحَنِ.
وَكَيْفَ لا تَكُونُ المَمْلَكَةُ بِهَذَا المَوْقِفِ النَّبِيلِ، وَقِيَادَتُهَا الرَّشِيدَةُ – وَعَلَى رَأْسِهَا خَادِمُ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ المَلِكُ سَلْمَانُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ – وَوَلِيُّ عَهْدِهِ الأَمِينُ، صَاحِبُ السُّموِّ المَلَكِيِّ الأَمِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ سَلْمَانَ – حَفِظَهُمَا اللهُ – قَدْ جَعَلَا مِنْ نُصْرَةِ المُسْتَضْعَفِينَ، وَمَدِّ يَدِ الخَيْرِ إِلَى المُحْتَاجِينَ، وَالوُقُوفِ إِلَى جَانِبِ الحُقُوقِ العَادِلَةِ نَهْجاً رَاسِخاً، وَمِنْهَاجاً ثَابِتاً، يَتَجَلَّى في كُلِّ مَوْقِفٍ وفي كُلِّ مُنْعَطَفٍ تاريخيٍّ.
إنَّ صَوْتَ الحَقِّ الذي أَطْلَقَهُ سُموُّ وَلِيِّ العَهْدِ الأَمِينِ – أَيَّدَهُ اللهُ – لِيُدِينَ كُلَّ مُعْتَدٍ، ويَدْعُوَ إِلَى وَقْفِ الحَرْبِ وإِحْلالِ السَّلَامِ، وتَجْنِيبِ الشُّعُوبِ وَيْلَاتِ النِّزَاعَاتِ، هُوَ صَوْتٌ يُذَكِّرُ العَالَمَ بِمَنْهَجِ المَمْلَكَةِ الحُكَمَائِيِّ، وَبِعُمْقِ حِكْمَتِهَا، وَبِسَعْيِهَا الدَّؤُوبِ لِإِحْلالِ السَّلَامِ في كُلِّ بِقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ الأَرْضِ، ونَبْذِ الخِلَافَاتِ، وجَمْعِ الكَلِمَةِ عَلَى الحَقِّ والإنْصَافِ. وَقَدْ وَجَدَتْ هَذِهِ المَوَاقِفُ صَدىً عَمِيقاً في قُلوبِ السُّودَانِيِّينَ، الذينَ رَأَوْا في كَلِمَاتِ سُموِّهِ رَوْحَ الأَمَلِ، وفي تَوَجُّهَاتِهِ عُنْوَانَ النَّجَاةِ.
لَقَدْ تَجَلَّتْ مَواقِفُ المَمْلَكَةِ بِشَكْلٍ جَلِيٍّ في المُبَادَرَاتِ الإِغَاثِيَّةِ الضَّخْمَةِ التي أَطْلَقَتْهَا حُكُومَةُ خَادِمِ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، بِمَا يَزِيدُ عَنْ 100 مَلْيُونِ دُولَارٍ كَمَسَاعِدَاتٍ عَاجِلَةٍ، وَاسْتِجَابَتِهَا الفَوْرِيَّةِ لِمُنَاشَدَاتِ المُنَظَّمَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَتَوْفِيرِ الطَّعَامِ، والدَّوَاءِ، والمَاءِ، والمَأْوَى لِلنَّازِحِينِ والمُهَجَّرِينَ في كُلِّ وِلايَاتِ السُّودَانِ. لَمْ تَكُنْ هَذِهِ المُسَاعَدَاتُ مُجَرَّدَ تَضَامُنٍ عَابِرٍ، بَلْ كَانَتْ رُؤْيَةً إِنْسَانِيَّةً مُتَجَذِّرَةً في عَقِيدَةِ هَذِهِ الأَرْضِ المُبَارَكَةِ التي تَشْرَبُ مِنْ مَعِينِ الإِسْلَامِ السَّمْحِ وقِيَمِ العُرُوبَةِ الأَصِيلَةِ.
أَيُّهَا الإِخْوَةُ في المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ، أَيُّهَا القَادَةُ النُّبَلَاءُ، أَيُّهَا الشَّعْبُ الوَفِيُّ، تَقَبَّلُوا خَالِصَ شُكْرِنَا وَصَادِقَ امْتِنَانِنَا، وتَحِيَّاتِنَا المَعْطُورَةَ بِرَوَائِحِ النِّيلِ وَأَزَاهِيرِ السَّوَاحِلِ، وَبِدَمَعَاتِ الثُّكْلَى وَآهَاتِ المَجْرُوحِينَ، وَبِأَحْلَامِ الأَطْفَالِ الذينَ يَحْلُمُونَ بِسَمَاءٍ صَافِيَةٍ خَالِيَةٍ مِنَ الغُبَارِ والسَّرَابِ. تَقَبَّلُوا عِرْفَانَنَا الذي تَأْبَى لُغَةُ الأَحْرُفِ أَنْ تَكْتُبَهُ، ولكِنَّ قَلْبَ السُّودَانِ، بِجُرْحِهِ وَأَمَلِهِ، يَهْدِيهِ إِلَيْكُمْ، كَلَوْحَةِ فَنٍّ لا تَمْحَى، كَنَشِيدِ عِزٍّ لا يَخْفُتُ، كَوَعْدٍ مِنْ أُمَّةٍ لِأُخْتِهَا.
وَخِتَاماً، نَسْأَلُ اللهَ العَزِيزَ القَدِيرَ أَنْ يَجْزِيَ خَادِمَ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ المَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الأَمِينَ الأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ، عَنَّا خَيْرَ الجَزَاءِ، وأَنْ يَحْفَظَهُمَا لِلمَمْلَكَةِ وَلِلأُمَّةِ العَرَبِيَّةِ والإِسْلَامِيَّةِ، وَأَنْ يُدِيمَ عَلَيْهِمَا نِعْمَةَ الصِّحَّةِ والعَافِيَةِ والسَّدَادِ، وأَنْ يُجَلِّيَ عَنْ بِلَادِنَا الغَالِيَةِ السُّودَانِ كُرَبَهُ، ويَكْشِفَ غُمَّتَهُ، ويُعِيذَهُ مِنَ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، إِنَّهُ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، قَرِيبُ الإِجَابَةِ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم Adblocke

https://rmse.sa/wp-content/uploads/2025/02/Download-Adblock.webp