خديجة.. مَلاذُ السَّنا وبحرُ المَكرُمة

خديجة.. مَلاذُ السَّنا وبحرُ المَكرُمة
بقلم: أبو طالب محمد دغريري
فِي خِدْرِ مكةَ سرٌّ ليس يَنْقَضِبُ … وفِي مَآقِي دُجَاها يَرْسُفُ اللَّهَبُ
قامتْ تَمُدُّ لِجِدْبِ الرُّوحِ مَوردَها … سَحابةً؛ كُلُّ جُودِ الأرضِ يُستَلَبُ
هِيَ التِي صاغَتِ الأيامَ مَلحمةً … مِن الثَّباتِ، فذلَّتْ دونها النُّوَبُ
كانتْ رَجاحَةُ عَقْلٍ لَمْ يَشُبْ سَنَها … عَجْزٌ، ولَمْ يُثْنِها عَنْ رَأْيِها الرَّيَبُ
وافاهُ جِبريلُ فِي (الغارِ) المهيبِ، فجَا … ءَ والقلبُ مِنْ هَوْلِ الرُّؤى يَجِبُ
يقولُ: “زَمِّلوني” والرجيفُ بـهِ … مِنْ جَلْوَةِ الحقِّ، والأفكارُ تَنْحَرِبُ
فأقبلتْ كأمانِ اللهِ، دافـئةً … تُزِيحُ عن كاهِلِ المختارِ ما يَهَبُ
وقالتِ الـكلماتِ الغُرَّ، شامِخةً: … “واللهِ لا يُخزِكَ الـرحمنُ” يَا نَسَبُ
باعتْ لِباريها دُنياً بما رَحُبَتْ … فِي مَنْبِعِ الحُبِّ كُلُّ المالِ يَنْسَكِبُ
وكانتِ الشِّعْبَ إِذْ عَزَّ المَجيرُ، ومَنْ … إِلّا “خديجةَ” فِي البأْساءِ تَنْتَصِبُ؟
حتى نَعاها رَحيلٌ مُرُّ غُصَّتِهِ … فاهتزَّ مِنْ حُزنِهِ المختارُ والـخُشُبُ
عامٌ مِنَ الـحُزنِ لَمْ تُشرِقْ بَشاشَتُهُ … إلّا ودمعُ النبيِّ الـمُصطفى سَرَبُ
ما غابَ عهدُ “خديجةَ” عَنْ جَوانِحِهِ … بل ظلَّ في صَحْبِها بالـوُدِّ يَقْتَرِبُ
يَرْعى “خَلِيلاتِها” طِيباً وتَكْرِمَةً … كأنما الوحيُ فِي العهدِ الذي كَتبوا
يا حِضنَ مكةَ إذ ضاقتْ مَسالِكُها … ويا مَلاذاً رَحيباً حَفَّهُ العَجَبُ
فجاءَ جِبريلُ والأفلاكُ خاشعةٌ … يُهدِي السَّلامَ، وصوتُ الحقِّ يَنتصِبُ
يُقرئُ (خديجةَ) مِنْ ذي العرشِ تَهْنئةً … في قصرِ لُؤلؤِها.. لا مَسَّهَا نَصَبُ
يا أُمَّ فاطمةٍ.. يا بَحْرَ مَكرمةٍ … يَفنى المديحُ، وفيكِ الفكرُ يَنشَعِبُ
أنتِ ابْتداءُ السَّنا في طُهْرِ نَشأتِهِ … وأنتِ بَاقيةٌ ما سارَتِ الحِقَبُ



