بيئة العمل .. الحافز والإستمرارية

✍🏻 الكاتبة أ.أحلام فايز الرويلي
شهدت خارطة العمل في المملكة العربية السعودية تحولاً تاريخياً بفضل رؤية 2030، حيث قفزت معدلات مشاركة المرأة الاقتصادية لتصل إلى 36%. ومع هذا التدفق الكبير للكفاءات النسائية في مختلف القطاعات—بما فيها الميدانية، الهندسية، والقيادية—برزت أهمية مفهوم “جودة الحياة الوظيفيةكركيزة أساسية لا غنى عنها لضمان بيئة عمل صحية، متوازنة، ومستدامة.
أولاً:جودة الحياة بالعمل.. المفهوم والأبعاد
لا تعني جودة الحياة في العمل مجرد توفير مكتب أو راتب مجزٍ، بل هي منظومة متكاملة تشمل
الصحة النفسية والجسدية: توفير بيئة مرنة تقلل من الاحتراق الوظيفي وصراع الأدوار بين المتطلبات المهنية والمسؤوليات الأسرية.
العدالة والبيئة الآمنة: ضمان تكافؤ الفرص في الترقي والأجور، ومكافحة أي شكل من أشكال التمييز أو الضغط النفسي.
التطوير المستمر: إتاحة الفرص التدريبية التي تضمن للمرأة نمواً مهنياً يواكب تطلعاتها.
ثانياً: لغة الأرقام.. طفرة القيادة النسائية في سوق العمل
لم يعد تمكين المرأة مجرد شعارات، بل تترجمه أرقام وتقارير رسمية تعكس وصولها إلى قمة الهرم الإداري:
المناصب القيادية والإدارية: كشفت البيانات الحكومية الرسمية لعام 2025 أن نحو 321 ألف سيدة سعودية يتولين مناصب قيادية (من بينهن 320 ألف مديرة) في مختلف القطاعات.
الإدارة العليا والمتوسطة: سجلت نسبة النساء في المناصب الإدارية المتوسطة والعليا قفزة نوعية لتصل إلى 44%، بعد أن كانت مستقرة عند نحو 30% في الأعوام السابقة.
مجالس الإدارات: دخلت المرأة بقوة في صناعة القرار الاستثماري والتجاري؛ حيث تسجل البيانات تواجد نحو 1200 عضوة في مجالس الإدارات، وترأس 370 سيدة مجالس إدارة لشركات وكيانات اقتصادية.
صناعة القرار الوطني: تفعيلاً لدورها السيادي، تشغل المرأة 20% من مقاعد مجلس الشورى السعودي (بواقع 30 عضوة).
انخفاض البطالة: رافق هذا الصعود القيادي انخفاض تاريخي في معدل بطالة الإناث ليصل إلى 12.8%.
ثالثاً: المكتسبات والتشريعات الداعمة للمرأة في رؤية 2030
لتأصيل جودة الحياة وحماية هذه المكتسبات الرقمية، سنت المملكة حزمة من الإصلاحات التشريعية والمبادرات لضمان استقرار المرأة العاملة:
مرونة العمل والأنماط الحديثة
أتاحت الأنظمة تشريعات العمل عن بُعد والعمل المرن، وهي أدوات جوهرية ساهمت في تخفيف الضغط النفسي والجسدي عن المرأة، مما يتيح لها تحقيق توازن أفضل بين حياتها المهنية والشخصية دون الحاجة للتضحية بأحدهما.
برامج الدعم اللوجستي والاجتماعي
أطلقت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية برامج موجهة خصيصاً لتذليل العقبات اليومية أمام المرأة العاملة:
برنامج “قُرّة”: لدعم مراكز ضيافة الأطفال للأمهات العاملات، مما يمنحهن طمأنينة نفسية ترفع من تركيزهن وإنتاجيتهن في العمل.
برنامج “وصول”: لدعم نقل المرأة العاملة، وتسهيل تنقلها بأمان وراحة من وإلى مقر عملها.
بيئات عمل آمنة ومكافحة التمييز
تم تعديل نظام العمل لضمان المساواة في الأجور للأعمال ذات القيمة المتساوية، وتجريم التمييز بجميع أشكاله، بالإضافة إلى تطبيق ضوابط الحماية من التحرش في بيئة العمل، مما وفر مظلة أمان قانونية ونفسية صلبة للمرأة.
رابعاً: الأثر النفسي والاجتماعي لتعزيز جودة الحياة
عندما تتوفر جودة الحياة في بيئة العمل، ينعكس ذلك إيجاباً على كينونة المرأة والمجتمع ككل:
تراجع متلازمة “المرأة الخارقة”: الدعم المؤسسي والمجتمعي يرفع عن كاهل المرأة عبء السعي للمثالية المطلقة والوقوع في فخ الاحتراق النفسي.
الاستقرار الأسري: بيئات العمل المرنة تتيح تقاسماً أفضل للمسؤوليات داخل الأسرة، وتمنع النزاعات الناتجة عن الإجهاد البدني المزمن.
تعزيز الثقة والكفاءة: تتيح البيئة الداعمة للمرأة الابتكار والوصول للمناصب القيادية بجدارة وثبات، لتتحول من مرحلة “إثبات الوجود” إلى مرحلة “قيادة التغيير”.
خاتمة
نحو مستقبل مستدام
إن جودة الحياة بالعمل ليست رفاهية، بل هي الوقود الحقيقي لاستدامة نجاح رؤية 2030. الاستثمار في صحة المرأة النفسية والجسدية داخل بيئة العمل هو استثمار في بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر. فالمرأة المُمكَّنة والمتوازنة هي القادرة على صناعة الفارق، وتقديم نموذج ملهم للأجيال القادمة في وطن يضع الإنسان أولاً.


