بين زائرة المتنبي وصبر أيوب: تجليات المرض في القصيدة العربية

بقلم: أبوطالب محمد دغريري
لم يكن الجسدُ في وجدان الشاعر العربي مجرد غلافٍ مادي، بل كان مرآةً تنعكسُ عليها زلازلُ الروح وتردداتُ الوجود. وحين يطرقُ المرضُ باب القصيدة، فإنه لا يأتي كعارضٍ بيولوجي يوهنُ العظام فحسب، بل يتحولُ إلى “مشرطٍ” لغوي يغوصُ في أعماق النفس؛ ليستخرج منها أصدق الاعترافات وأجمل الابتهالات الربانية. الحديثُ عن المرض هو في جوهره محاولة لترجمةِ ذلك الأنين الصامت إلى لغة مفهومة، وتحويلُ الابتلاء إلى دعواتٍ لله والتجاء إليه.وهنا ساأقف مع نصٍ للمتنبي وآخرُ للسياب
أولاً: المتنبي و”الزائرة” المستبدة
يقف أبو الطيب المتنبي شامخاً حتى في لحظات انكساره الجسدي، حيث صوّر “الحمى” التي أصابته في مصر بأسلوب “التشخيص” الفني، محولاً إياها من حالة بيولوجية مُنفّرة إلى كائنٍ حي ذي طباع وسلوك، يقول فيها:
وَزائِرَتي كَأَنَّ بِها حَياءً … فَلَيسَ تَزورُ إِلّا في الظَلامِ
بَذَلتُ لَها المَطارِفَ وَالحَشايا … فَعافَتها وَباتَت في عِظامي
يَضيقُ الجِلدُ عَن نَفسي وَعَنها … فَتُوسِعُهُ بِأَنواعِ السِقامِ
كَأَنَّ الصُبحَ يَطرُدُها فَتَجري … مَدامِعُها بِأَربَعَةٍ سِجامِ
أُراقِبُ وَقتَها مِن غَيرِ شَوقٍ … مُراقَبَةَ المُشوقِ المُستَهامِ
هذه الأبيات ليست مجرد وصف للمرض، بل هي لوحةٌ فنية حولت “الحمى” إلى امرأةٍ حسناء تتصف بشدة الحياء؛ وهو الحياءُ الذي يمنعها من الظهور في وضح النهار، فلا تأتيه إلا حينما يحل الليل ويخلو به المكان. إن المتنبي هنا يصارع مرضاً يزاحم روحه في جسده، حتى ليضيق جلده عن استيعاب كبريائه وألمه معاً.
ثانياً: السياب وتجليات “سفر أيوب”
وعلى النقيض من “أنا” المتنبي المتضخمة، نجد بدر شاكر السياب حينما عانى من داءٍ عُضال أقعده عن الحركة، يستدعي شخصية النبي “أيوب” عليه السلام ليعبر عن صبره وتساميه فوق جراحه، قائلاً في قصيدته الشهيرة:
لَكَ الحـَمدُ مهما استطالَ البـــلاء
ومهمــا استبدَّ الألـم
لَكَ الحمدُ إنَّ الرزايـا عطـــاء
وإنَّ المَصيبــات بعض الكـَـــرَم
هذه الأبيات من أعمق ما كُتب في أدب الصبر والمناجاة؛ ففيها يسكب السياب روحه في قالبٍ إيماني مُطلق. هنا ترتفع الروح فوق حطام الجسد لتجد تعزيتها في الالتجاء للخالق سبحانه، حيث تنقلب الموازين ويصبح الألم “عطاءً” والمصيبة “كرماً”.
ختاماً:
إن المرض في نصوص العرب يظهر كمرآةٍ تعكس الضعف البشري في أقصى تجلياته، وما يوجده في روح السقيم من آثار. لقد استطاع الشعر العربي أن يحول “الأنين” إلى “رنين” أدبي خالد، ليبقى الألم شاهداً على قدرة الإنسان على صياغة الجمال من قلب المعاناة.


