المقالات

متى يلتفت القلب؟

أبوطالب محمد دغريري

تراود المرءَ في زحام الحياة لحظاتٌ يحسب فيها أنه يمضي في مسارٍ متسق، لا يلوي على شيء، يعتقد أن العقل هو السائق الوحيد لجوارحه، وأن الروح قد أذعنت لمنطق الأرقام والمواعيد. لكنه في لحظة خاطفة، غائمة بالدهشة، يشعر بهزة خفيفة في أيسر صدره؛ هناك تحديداً… حين يلتفت القلب.
​والتفات القلب ليس كالتفاتة العنق، لا تحتاج إلى جِيَدٍ يمتد أو عَيْنٍ تُدير طرفها. إنها حركةٌ باطنيةٌ شفافة، تقع بين زفرةٍ وابتهال. يلتفت القلب حين يتعب من الادعاء، حين يكتشف أن كل الكبرياء المستعار أمام عواصف الأيام لا يصمد أمام نسمة حنين أو نبرة صوتٍ عذبة تأتي من أقاصي الذاكرة.
​سلوا العارفين والسالكين في دهاريب الأيام: متى يلتفت القلب؟
​يلتفت القلب أولاً حين يدرك أن العقل قد أوردَهُ الموارد؛ فالعقل محامٍ بارعٌ يتقن صياغة الحجج، لكنه يبني جدراناً صماء، بينما القلب يُفتش عن نافذة. يلتفت يوم يتعب المرء من الركض خلف السراب، فيجلس على قارعة الصمت ليتأمل حصاد ركضه، فلا يجد في السلة إلا بضعة أوهام وشهادات تقدير لا تدفئ شتاء الروح.
​ويلتفت القلب ثانياً في حضرة اللطف البسيط. قد يمر المرء بأحداثٍ جسام فلا تهتز له قصبة، حتى إذا رأى طفلاً يبتسم في وجه عابر، أو مسنّاً يُسند رفيق دربه، أو حين يسمع آيةً في سكون الليل تلامس وجعه كأنها كُتِبَت له وحده؛ حينها يميل القلب ميلاً عظيماً، وتتساقط أوراق جفائه كما تتساقط أوراق الخريف.
​إن أزمة هذا العصر ليست في قلة السالكين، بل في كثرة القلوب الملتفتة إلى الخلف، إلى ما فات، أو الملتفتة إلى الهواتف والشاشات بدلاً من وجوه الأحبة. التفات القلب الحقيقي هو حركته نحو “المصدر”، نحو البراءة الأولى، نحو تلك المساحة البكر التي لم تتلوث بعد بشرور الخصومات وضغائن الأيام.
​يا صديقي، إن لم يلتفت قلبك لدمعةٍ تُراق، أو ليدٍ تُمد، أو لنداءٍ من السماء يدعوك للسكينة، فسل نفسك: هل ما زال الحجر صخراً، أم أن الصدر غادره صاحبه؟
​دع قلبك يلتفت… لا للخلف ليتحسر، بل للأعلى ليزهر، وللداخل ليتطهر؛ فالحياة ألمح من رمشة عين، وما القلب إلا مسافرٌ يطرق باب الرحمة، فإذا التفت… وصل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم Adblocke

https://rmse.sa/wp-content/uploads/2025/02/Download-Adblock.webp