وهم الإنتاجية: حين نظن أننا ننجز ، ونحن في الحقيقة نهرب :

بقلم : ريان عبدالحميد الشريف
في عصرٍ أصبحت فيه كلمة “مشغول” مرادفًا للنجاح، بات من السهل أن نخلط بين الحركة والإنجاز. نملأ يومنا بالمهام، نتنقل بين التطبيقات، نرد على الرسائل، نحضر الاجتماعات… وفي نهاية اليوم، نشعر بالإرهاق، لكن دون أثر حقيقي لما أنجزناه.
هذا هو “وهم الإنتاجية”.
لم يعد التحدي في أن تعمل، بل في أن تعمل على ما يستحق. ومع ذلك، نجد أنفسنا ننجذب تلقائيًا للمهام السهلة والسريعة، تلك التي تمنحنا شعورًا فوريًا بالإنجاز: رد سريع، قائمة مهام مليئة بعلامات ✓، تنقل مستمر بين أشياء صغيرة لا تتطلب جهدًا عميقًا.
المشكلة ليست في هذه المهام بحد ذاتها، بل في اعتمادنا عليها كبديل عن العمل الحقيقي. العمل الذي يحتاج تركيزًا، وصبرًا، وربما مواجهة مباشرة مع صعوبات نحاول تجنبها.
” وهنا يكمن الخطر ”
نقنع أنفسنا أننا “منتجون”، بينما نحن في الواقع نؤجل الأهم. نغرق في التفاصيل لنتهرب من القرارات الكبيرة، ونختبئ خلف الانشغال حتى لا نواجه السؤال الصعب: هل نحن نتقدم فعلًا؟
وساهمت بيئة العمل الحديثة في تضخيم هذا الوهم. كثرة الأدوات، الإشعارات، والاجتماعات المتلاحقة، صنعت ثقافة ترى الانشغال كإنجاز بحد ذاته. من يرد بسرعة يُمدح، ومن يظهر حضوره المستمر يُكافأ، حتى لو كان ذلك على حساب العمل العميق.
لكن الإنتاجية الحقيقية ليست في عدد المهام التي تُنجز، بل في قيمة ما تُنجز.
قد تقضي ساعة واحدة في تركيز عميق، فتُحقق ما لا تحققه ثماني ساعات من التشتت. وقد تنهي يومك بقائمة طويلة، لكن دون خطوة واحدة تقرّبك من هدفك الحقيقي.
الحقيقة التي نتجنبها بسيطة:
ليست كل حركة تقدم… وليس كل انشغال إنجاز.
التخلص من وهم الإنتاجية لا يعني أن تعمل أكثر، بل أن تعمل بوعي. أن تسأل نفسك قبل كل مهمة: هل هذا يقودني فعلًا إلى ما أريد؟ أم أنه مجرد شعور مؤقت بالإنجاز؟
في النهاية، أخطر ما في وهم الإنتاجية أنه لا يجعلك تشعر بالفشل… بل يجعلك تشعر أنك تسير، بينما أنت في مكانك.



