مير : أبحاث السرطان تدخل مرحلة وقائية غير مسبوقة واللقاحات المستقبلية قد تغيّر خريطة المرض عالمياً

جدة – ماهر بن عبدالوهاب
أكد استشاري علاج الأورام بالأشعة الدكتور هدير مصطفى مير، أن أبحاث السرطان تشهد في الوقت الراهن نقلة نوعية غير مسبوقة، مدفوعة بتطور التقنيات الحيوية والبيولوجيا الجزيئية، إذ إن العالم لم يعد ينظر إلى السرطان بوصفه مرضاً يُعالج فقط بعد ظهوره، بل باتت الجهود العلمية تتجه بقوة نحو الوقاية المبكرة والتدخل المناعي الاستباقي ، مبينا أن اللقاحات الجديدة المضادة للسرطان تمثل أحد أبرز محاور البحث العلمي الحديث، إلا أن الوصول إلى لقاحات وقائية فعّالة ومعتمدة سريرياً لا يزال مرهوناً بتجارب معقدة ومراحل اختبار طويلة، تبدأ من المختبرات الجزيئية ولا تنتهي إلا بعد سنوات من المتابعة السريرية الدقيقة.
وبين د.مير أن لقاحات السرطان تختلف جذرياً عن لقاحات الأمراض المعدية المعروفة، إذ لا تستهدف فيروسات أو بكتيريا، بل تعمل على تدريب الجهاز المناعي للتعرف المبكر على الخلايا غير الطبيعية التي قد تتحول لاحقاً إلى خلايا سرطانية، ومن ثم مهاجمتها قبل تشكل الورم ، فالتقنيات الحديثة وعلى رأسها لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال فتحت آفاقاً واسعة لتطوير اللقاحات، بناءً على البصمة الجينية الخاصة بالورم، وهو ما يعرف بالطب الدقيق.
ولفت د.مير إلى أن دراسات علمية حديثة، من بينها أبحاث نقلتها دورية Medical Xpress عن فرق بحثية في جامعة أكسفورد، كشفت أن العلماء يعملون حالياً على تطوير لقاحات تهدف إلى منع ظهور بعض أنواع السرطان قبل تشكلها، وليس فقط الحد من تطورها بعد الإصابة ، وهذه الأبحاث تركز بشكل خاص على سرطانات ذات معدلات انتشار مرتفعة، مثل سرطان الرئة وسرطان الجلد وسرطان القولون، حيث يجري اختبار لقاحات تجريبية في مراحل متقدمة، مع توقع بدء تجارب سريرية بشرية أوسع خلال الأعوام القليلة المقبلة.
وأكد أن التحدي الأكبر في هذا المجال لا يكمن في ابتكار اللقاح بحد ذاته، بل في ضمان سلامته وفعاليته طويلة الأمد، خصوصاً عند إعطائه لأشخاص أصحاء لم يُصابوا بالسرطان بعد، ما يستلزم سنوات من المراقبة الطبية الصارمة لتفادي أي آثار جانبية غير متوقعة ، بجانب وجود تحديات أخلاقية وتنظيمية تتعلق بآليات اعتماد هذه اللقاحات، إضافة إلى ضرورة التأكد من قدرتها على توفير حماية حقيقية دون إحداث اضطرابات مناعية أو تأثيرات عكسية على الجسم.
وأوضح د.مير أن أبحاث السرطان الحديثة لا تقتصر على اللقاحات فقط، بل تشمل أيضاً تطوير علاجات مناعية أكثر دقة وأقل سمّية ، استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بنشوء الأورام مبكراً ، تحليل الطفرات الجينية للتعرف على الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة ، دمج العلاج المناعي مع العلاج الإشعاعي والكيميائي لتحسين النتائج السريرية ، فخلاصة القول إن احتمالية توفر لقاحات وقائية لعدة أنواع من السرطان خلال السنوات العشر المقبلة تبقى ممكنة علمياً وواقعية، لكنها مشروطة بنجاح التجارب السريرية، وعدم ظهور آثار جانبية طويلة المدى، إضافة إلى القدرة على إنتاج هذه اللقاحات ، فنحن أمام مرحلة تاريخية في مواجهة السرطان، حيث تتحول المعركة من العلاج إلى الوقاية، ومن الاستجابة المتأخرة إلى التدخل المبكر، وهو ما قد يغيّر مستقبل الصحة العامة عالمياً.



