*كن نوراً لغيرك*

بقلم / د. سعيد عبد الغني مقليه
حين تقترب العشر الأواخر من رمضان، يشعر المؤمن أن الزمن يكتسب معنى مختلفاً؛ فهذه الأيام ليست كغيرها من الأيام، بل هي ذروة الموسم الإيماني، ومحطة تتجدد فيها القلوب، وتسمو فيها الأرواح، ويقترب فيها الإنسان أكثر من الله. وفي هذا الموسم العظيم لا يقتصر أثر العبادة على صاحبها فحسب، بل يمتد ليضيء الطريق للآخرين. ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في هذه الأيام أن يكون “نوراً لغيره”.
النور لا يتكلم كثيراً، لكنه يُرى. وكذلك القدوة الصالحة؛ فحين يرى الناس من حولهم إنساناً يحرص على الصلاة في وقتها، ويقوم الليل بخشوع، ويجلس مع القرآن ساعات من التأمل والتدبر، فإن هذا المشهد وحده قد يكون أبلغ بكثير من الكلمات. فالعبادة الصادقة لا تصنع أثراً في القلب فقط، بل تصنع قدوة صامتة توقظ القلوب من حولها.
والعشر الأواخر ليست عبادة فردية منعزلة، بل هي مدرسة للأخلاق. ففي هذه الأيام يتعلم الإنسان أن يكون أكثر حلماً وصبراً ورحمة. الكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، والتسامح مع الآخرين، كلها صور من النور الذي ينتقل من قلب إلى قلب. قد لا يدرك الإنسان أن لطفه مع الآخرين أو صبره في موقف ما قد يكون سبباً في زرع الخير في نفس إنسان آخر.
ومن أجمل صور النور في هذه الأيام نور العطاء. فحين يبادر الإنسان إلى الصدقة، أو يشارك في تفطير الصائمين، أو يسعى في قضاء حاجة محتاج، فإنه لا يخفف عن الآخرين فقط، بل يفتح باباً من الخير قد يقتدي به غيره. فالعطاء في العشر الأواخر لا يُقاس بحجمه بقدر ما يُقاس بما يتركه من أثر في القلوب.
كما أن البيت هو أول مكان ينبغي أن يشرق فيه هذا النور. حين يرى الأبناء آباءهم وأمهاتهم يقبلون على الصلاة، ويوقظونهم لقيام الليل، ويجلسون مع القرآن، فإن هذه اللحظات الصغيرة قد تتحول إلى ذكريات إيمانية عميقة تبقى معهم طوال حياتهم. فالقدوة داخل الأسرة هي أعظم مدرسة تُغرس فيها القيم دون أن تُقال.
والحقيقة أن الإنسان لا يعلم أين يضع الله أثر عمله. فقد تكون ركعة في جوف الليل، أو كلمة طيبة، أو موقف رحمة مع إنسان، سبباً في هداية قلب أو إحياء روح. ولهذا فإن العشر الأواخر ليست فرصة لمضاعفة العمل فقط، بل فرصة ليكون الإنسان شعلة خير في محيطه.
إن العالم اليوم يحتاج إلى نور أكثر من أي وقت مضى؛ نور الرحمة، ونور الصدق، ونور الصبر، ونور العبادة الصادقة. وكل إنسان يستطيع أن يكون جزءاً من هذا النور، مهما كان موقعه أو عمله.
فاجعل لنفسك في هذه العشر الأواخر أثراً طيباً، وذكراً حسناً، وعملاً خفياً بينك وبين الله.
واجتهد أن تكون ممن يضيئون الطريق لغيرهم.
*كن نوراً لغيرك… فرب نور صغير يبدد ظلاماً كبيراً*
X : @drsaeedmagliya


