هيئة تقويم التعليم… الجمع بين التقييم والتكريم

حين تتحول جهة التقييم من قياس الأداء إلى الاحتفاء بنتائجه، تبرز تساؤلات مهنية حول استقلالية التقييم وحدود الأدوار المؤسسية.
ويُعدّ التقييم أحد أهم الأدوات الاستراتيجية لتطوير المنظومات التعليمية، ورفع كفاءة مؤسساتها، وتحسين جودة مخرجاتها؛ إذ يوفر صورة موضوعية عن واقع الأداء، ويكشف مواطن القوة وفرص التحسين، ويسهم في توجيه القرارات والسياسات التعليمية استنادًا إلى الأدلة والبيانات والمؤشرات والمعايير المعتمدة.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية هيئة تقويم التعليم والتدريب بوصفها جهة وطنية متخصصة تضطلع بأدوار محورية في تقويم التعليم وقياس جودته، بما يعزز موثوقية النتائج، ويدعم اتخاذ القرارات التطويرية على المستويين المؤسسي والوطني.
غير أن التساؤل المهني الذي يستحق النقاش لا يتعلق بأهمية التقويم أو جدوى التكريم، فكلاهما أداة مهمة في تطوير التعليم، وإنما يتعلق بمدى ملاءمة الجمع بين دور الجهة التي تُقيّم الأداء وتحكم على مستواه، ودور الجهة التي تحتفي بالنتائج وتمنح التكريم والجوائز، أو تتدخل في معالجة جوانب القصور التي كشفت عنها عملية التقييم.
فالقاعدة المهنية التي تقوم عليها أنظمة التقييم المستقلة تتمثل في وضوح الأدوار، والفصل بين من يقيس الأداء ويحكم على نتائجه، ومن يتولى تطويره وتحسينه، ومن يمنح الحوافز والمكافآت بناءً على تلك النتائج.
وهنا يبرز تساؤل جوهري: هل من الأنسب أن تتولى الجهة التي أصدرت نتائج التقييم عملية التكريم والاحتفاء بالمدارس بناءً على نتائجها، أم أن مقتضيات الاستقلالية والحوكمة الرشيدة تستدعي إسناد هذه المهمة إلى جهة أخرى؟
ذلك أن قيمة جهة التقييم لا تُقاس بعدد المدارس التي تحتفي بها، وإنما بمدى استقلالية أحكامها، ودقة نتائجها، وموثوقية تقاريرها، وعدالة تطبيق معاييرها.
إن الدور الأصيل لجهة التقييم المتخصصة يتمثل في بناء معايير التقييم وأدواته، وتطبيقها وفق منهجيات علمية ومهنية معتمدة، وجمع الأدلة والشواهد، وتحليل النتائج، وإصدار الأحكام والتقارير التي تعكس مستوى أداء المؤسسات التعليمية بدرجة عالية من الموضوعية والموثوقية.
وفي حالة تقييم المدارس، فإن المخرج الأساسي لعملية التقييم هو تقرير مهني مستقل يحدد مستوى الأداء، ويبرز نقاط القوة والضعف وفرص التحسين.
وعندما تتولى جهة التقييم ذاتها تنظيم الاحتفاء بالمدارس التي منحتها مستويات مرتفعة، أو تقديم الجوائز لها بناءً على نتائج تقييمها، فإنها تنتقل من موقع الحكم المهني المستقل إلى موقع الطرف المرتبط معنويًا بنتائج أحكامه.
وتؤكد المعايير الدولية ذات الصلة بالتقييم والتفتيش ومنح شهادات المطابقة أهمية مجموعة من المبادئ المهنية التي تستهدف حماية استقلالية الجهات المُقيِّمة وتعزيز الثقة في نتائجها. وتُعدّ مبادئ الاستقلالية والحياد والموضوعية وتجنب تعارض المصالح والكفاءة المهنية من المبادئ الأساسية المشتركة بين المعايير الدولية ذات الصلة بجهات التقييم والمطابقة.
إن قوة منظومة التقويم التعليمي لا تكمن في تعدد الأدوار التي تمارسها الجهة المُقيِّمة، وإنما في وضوح رسالتها، واستقلالية أحكامها، وقدرتها على تقديم نتائج موثوقة تُبنى عليها قرارات التطوير والتحسين.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم هذه العلاقة هي: من يُقيّم الأداء يجب أن يحافظ على استقلالية حكمه، وألّا يصبح مسؤولًا عن إصلاح ما قيّمه أو مكافأة من أصدر الحكم على أدائه.
—
د. مرزوق بن مطر الفهمي
مدرب ومستشار إداري | خبير الجودة والتميز المؤسسي
mmalfahmy@gmail.com



